مما حدثني به الدكتور عبداللطيف عربيات- رحمه الله- وهو من أبرز الشخصيات الإسلامية والوطنية ، التي تصدرت الحركة الإسلامية في الأردن، وشغلت مناصب عليا في الدولة، كان من أبرزها رئيس مجلس النواب الأردني، لأكثر من دورة، فقد كان الرجل ملء السمع والبصر في الدولة، صاحب فكر معتدل، وعقل منفتح، ونفس غيورة، قال لي ذات يوم: اتصل به الملك حسين- رحمه الله- راغباً بلقائه، وقد كانت العلاقة مفتوحة بين الملك الراحل ورموز وأعيان الأردن، دون النظر في خلفياتهم الفكرية والتنظيمية، وحين التقينا، أخبرني أن عليه ضغوطاً أمريكية في قضية ما، وكان الملك يريد أن يتهرب من تنفيذ رغبتهم هذه بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال التسلح بموقف شعبي رافض، وهذا الذي كان، إذ خرجت المظاهرات والمسيرات الأردنية الرافضة، التي سهلت على الملك الرفض بالتعلل في رفض شعبه، الذي أيد موقفه.
استحضرت هذه الحادثة اليوم، أو قفزت لذهني هذه الحكاية الجميلة، وبدأت تلح علي، حين وصلت إلي الاتهامات التي وجهت لبعض رموز جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان على رأسها تهمة غسيل الأموال، فقلت في نفسي: أين كنا كأردنيين قبل أعوام وأين أصبحنا اليوم؟!
الموقف الذي ذكره الدكتور عبداللطيف عربيات، رحمه الله، وهو واحد من مئات غيره، يجسد حقيقة العلاقة بين النظام الأردني، لا بل بين العرش الهاشمي وجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، التي وإن شهدت بعض التوترات في بعض محطاتها، لكنها كانت متسمة بالاحترام والتقدير والتعاون في أغلب محطاتها، وعلى مدار عقود من البناء والنهوض في البلد، ساهمت خلالها الجماعة في عملية البناء والنهوض، فأسست المراكز والجمعيات والمستشفيات والمعاهد والجامعات والمدارس، كان النظام ممثلاً برأسه، بالملك شخصياً حريصاً على أن تكون العلاقة مباشرة، دون واسطات، أو وسطاء، وكان يقدر للإخوان دورهم البناء وجهدهم الفعال في الحرص على بناء الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره، والنهوض به.
وفي المقابل كان النظام عند الإخوان خطاً أحمر، ممكن أن يختلف معه ولكن لا يختلف عليه، وباعتقادي أن هذا النهج لم يتغير، ففي قمة الربيع العربي، والشعارات التي رفعت حينها، بإسقاط الأنظمة ورحيلها، في مختلف الأقطار العربية، حافظت الحركة الإسلامية على شعار الإصلاح، ولم تتجاوزه في مسيراتها ومظاهراتها وبياناتها ومؤتمراتها، وفي اللقاء الذي جمع بين الملك عبدالله الثاني وقيادات الجماعة، وهو اللقاء الوحيد الذي جمع بين الطرفين، وبعد مرور ما يزيد على عشر سنوات كاملة، من القطيعة، حاول خلالها الإخوان التواصل وطلب اللقاء، لكن دون جدوى، مما يؤكد أنه كان يوجد في عهد الملك عبدالله من يسعى في إفساد هذه العلاقة، وتوتير الأجواء، بعدم وجود لقاء مباشر يجمع بين الملك ورموز الجماعة، وهذا ما ثبت لاحقاً، من أفعال رئيس الديوان الملكي حينها باسم عوض الله، الذي يقبع حالياً في السجن، لفساده وخيانته، المهم في هذا اللقاء الوحيد تم التأكيد للملك على هذا المعنى، وقيل له ذلك صراحة وبكل وضوح، أملاً في إعادة المياه لمجاريها، وتصحيح المسار، وترطيب الأجواء بين القصر والجماعة، وحتى لا تبقى ميداناً للشانئين، الذين يتغذى وجودهم على هذه القطيعة، التي أسسها هؤلاء على الكذب والافتراءات، وربما كانوا مدفوعين لتأسيسها من قبل جهات خارجية، غير مرتاحة لهذه العلاقة التي تربط بين النظام وجماعة الإخوان في الأردن.
ففي الوقت الذي تعرضت فيه الجماعة في كل أقطارها للضرب والاعتقال والمطاردة، بقيت الأردن كما كان يصفها الإخوان أنفسهم الرئة التي تتنفس من خلالها الجماعة، هذا المشهد من الانسجام والاحترام المتبادل، الذي كانت تحتضنه الأردن، كان يزعج جهات متعددة ويخيفهم، خاصة حين كانت الجماعة تتصدر المقاعد في الانتخابات المختلفة، من نيابية وبلدية ونقابية وطلابية وغيرها.
لقد كان النظام في الأردن في حينها، حتى لا يتوهم البعض، ويحتج بتغير الزمان والمعطيات، لقد كان يتعرض لضغوطات خارجية وداخلية كبيرة، ربما أشد مما يلاقيه اليوم، في كثير من المحطات لإفساد العلاقة مع الجماعة، إلا أن الأولويات التي كانت تتصدر اهتمام النظام المحافظة على اللحمة الداخلية، وصيانتها، وعدم السماح لأي جهة كانت من المساس بها، فقد كان الملك الراحل يؤكد على الدوام أن من يمس الوحدة الوطنية فهو خصمي إلى يوم القيامة، وهذا في الحقيقة لم يكن شعاراً يرفعه النظام، للاستهلاك العام، بل كان حقيقة واقعة يعيشها، ويعمل على أساسها، وكان يعتقد أن قوته الحقيقية تستمد من هذا البعد الداخلي، وتؤسس على هذه القاعدة الصلبة.
ولا أتجاوز الحقيقة إن قلت إن هذه العلاقة التي كانت بين رأس النظام والجماعة، وغيرهم طبعاً، من مكونات المجتمع الأردني، إذ كان النظام منفتحاً على شعبه، بمختلف مواقعهم وأطرهم، يحرص على التواصل معهم، وعمل اعتبارات لهم، هذا النهج في الحقيقة رسم للأردن الصغير في حجمه، الفقير في موارده، دوراً كبيراً على الخارطة السياسية في المنطقة، وكان عنصراً فاعلاً في تحديد مساراتها، نعم، لقد كان هذا النهج مصدر قوة للنظام، ولم تتح الفرصة لمقتنصيها، الذين يتصيدون في المياه العكرة، وهم كثيرون، لم يخل عصر من العصور من أمثالهم، لإفساد هذا النهج، وتقطيع الأواصر بين النظام وشعبه، وذلك بسد الأبواب في وجوههم، وعدم إتاحة المنابر المؤثرة لهم، كما نشهد ونلاحظ اليوم، للأسف الشديد.
النظر في واقعنا اليوم، يؤكد أن من فشلوا بالأمس في إفساد جبهتنا الداخلية، وفي توتير العلاقات الوطنية، ووضع حدود وسدود بين النظام وشعبه، نجحوا اليوم في هذه المهمة الخطيرة، واستطاعوا أن يقنعوا النظام بشكل أو بآخر أن يصوب الفوهة إلى نفسه، حين بدأ بالإطلاق على بعض مفاصله، بحجج واهية، وشعارات زائفة، واتهامات باطلة، وأزمات مصطنعة، هؤلاء للأسف أتيحت لهم المنابر الإعلامية وغيرها، فبدأوا بتقطيع أواصر المجتمع، من خلال التشكيك في الوطنية مرة، والاتهام بالارتباط بأجندات خارجية مرة أخرى، ساهمت هذه الخطابات الحاقدة، بخلق أجواء متوترة جداً، عبثت بوحدتنا، وطاشت بها عقول القوم، وسهلت على المتربصين بنا من الخارج أن يبثوا سمومهم في أوصالنا.
وحين نقارن بين عهد مضى، وعهد نعيشه، يتأكد لنا أن المصلحة الوطنية، وقوة اللحمة الداخلية، والهيبة الخارجية، والفاعلية السياسية تتحقق وتكمن في إقامة علاقة وثيقة بين النظام وشعبه، والجماعة جزء أصيل من الشعب، ومكون مهم من مكوناته، التي يجب أن لا يهدم، فإن هدمه يحدث خللاً في البناء، وثغرة مؤلمة في وحدته وتماسكه.
إن الدولة اليوم في حل هذا المكون الكبير، وحظره، واعتقال رموزه، وتوجيه الاتهامات لهم، كمن يطلق النار على نفسه، وكمن يهدم بناءه بعد اكتماله، وكمن ينكث غزله بعد قوته، لا اقول هذا الكلام، ولا أكتبه استدراراً للعطف، بل خوفاً على هذا الوطن ومنجازاته، فلا شك أنه مستهدف، فلم يعان المستهدفون لوحدته ولحمته الداخلية بمثل هذه القرارات والإجراءات؟!
أنا لا أعرف سبباً يجعل الإخوان يصمتون إزاء هذه الممارسات والاتهامات، ولا يخرجون للدفاع عن أنفسهم وعن تاريخهم الطويل في بناء هذه الدولة، وخدمة مواطنيها ونظامها؟! لا أعرف سببا يخيفهم من التعبير والتذكير بما كانوا عليه من ولاء وانتماء لهذا الوطن وترابه على مدار عقود من الزمن؟! أنجزوا خلالها الكثير، في مختلف الميادين الحياتية والرسمية، خاصة أن وجودهم وانتشارهم الكبير، في كل مفاصل الوطن الجغرافية والسكانية، يتيح لهم هذه الفرصة العظيمة، ليفسدوا على مقتنصي فرص الفتن والمياه العكرة، لتنفيذ مخططاتهم، والنجاح في تحقيق غاياتهم، ليس في إبعاد الجماعة وإقصائها، بل في إضعاف الدولة وتهميشها وتحطيمها.
يبقى أن نقول هامسين في أذن النظام، إن الإخوان ليسوا ملائكة، يعملون ولا يخطئون، فهم بشر، ويجري عليهم ما يجري على البشر، وربما الجماعة في مرحلة من مراحلها المتأخرة، قد تجاوزت بعض خطوطها المرسومة، وأنهم رفضوا خاصة في الربيع العربي بعض الفرص التي عرضت عليهم، وأتيحت لهم، لأن يدخلوا الحكومات ويشاركوا فيها، فرفضوا واعتذروا، وهذا كان باعتقادي له مؤشرات سلبية عند النظام، لكن اجتهاداتهم هذه وأخطاءهم لا توجب إعدامهم، والتخلص منهم، بل توجب فتح أبواب الحوار والتواصل معهم، والالتقاء المباشر، الذي يتيح فرصة التصحيح والتوجيه والتقارب وإزالة العقبات، وتذليل الصعوبات، وتجاوز التحديات، لمزيد من البناء والنهوض، فإنهم عدة للوطن، وسهم في كنانته!!
فيسبوك








