يشكّل الفساد الإداري والمالي أحد أبرز التحديات التي تواجه مسيرة الإصلاح، لما له من أثر مباشر في إضعاف الثقة العامة وإرباك الأداء المؤسسي. فعلى مدى سنوات، ورغم تعدد المحاولات والجهات المعنية بالمكافحة، ما تزال النتائج دون المستوى المأمول، الأمر الذي يفرض مراجعة جادّة لنهج المواجهة وأدواتها.
وتبرز في هذا السياق بعض مظاهر الفساد الإداري، وفي مقدمتها تدوير المناصب العليا بين الأسماء ذاتها، دون معايير واضحة أو تقييم معلن للأداء، ما يُضعف مبدأ تكافؤ الفرص ويُحبط الكفاءات، ويحوّل الإدارة العامة إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها بدل تجديد الدماء.
أما على الصعيد المالي، فإن تذبذب الدخول وتفاوتها غير المبرّر، وغياب العدالة في توزيع الأعباء، يترك آثارًا سلبية عميقة على الاستقرار الاجتماعي. فحين يُطالَب المواطن بالصبر وشدّ الحزام، فيما تتسع الفجوة المعيشية، تتراجع الثقة وتتعزز مشاعر عدم الإنصاف.
وفي حلبة المواجهة، أثبت الفساد قدرته على التكيّف؛ كُشفت بعض منازله وصُعقت أطراف منه، لكنه خرج في محطات عديدة أكثر تنظيمًا، مستفيدًا من بطء الإجراءات أو تشتت المسؤوليات، رغم كثرة التصريحات وتعدد البرامج.
إن السؤال اليوم ليس عن وجود الفساد، بل عن نقطة البداية لتصويب المسار. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من تعزيز سيادة القانون، ووضوح معايير التعيين والتقييم، وتسريع إجراءات المساءلة، وتكريس الشفافية في إدارة المال العام، بحيث يشعر الجميع أن لا استثناء ولا حصانة خارج إطار القانون.
فالدولة القوية لا تُقاس بسلامة نواياها فحسب، بل بقدرتها على تصحيح أخطائها، وحماية مواردها، وبناء ثقة مواطنيها عبر فعل مؤسسي جاد، لا عبر شعارات مؤقتة.








