هل تدير الأنظمة العربية حرب الإبادة في فلسطين؟

من الطبيعي أن تشغل المأساة الفلسطينية الحيز الأكبر من الحوار المجتمعي العربي، سواءً ذلك الدائر بين الناس في شتى مصارف الحياة، أو في المجال العام، حيث تشغل جُل الإنتاج الإعلامي. لكن غير الطبيعي والمدهش في آنٍ معاً أن يتوقف السجال (إذا جاز لنا أن نسميه ذلك) عند هذا: محض شقشقاتٍ وصراخٍ ودعاء من على المنابر وفي الصلوات تستنزل لعنة الله وعقابه على اليهود وأعوانهم، وتحليلاتٍ وتنبؤاتٍ ودفع لأمواجٍ الشعور بالهزيمة عبر رهاناتٍ على تغيرٍ في «الوعي البشري»، وتحديداً الإنسان أو المواطن الغربي، الذي نعتقد أن بيده، في نهاية الأمر، الحل والعقد والمخرج من نفق التاريخ الأكثر إظلاماً هذا. جعجعةٌ بلا طحين.. للأسف هذه هي الخلاصة.

نستطيع أن نتحدث عن مؤامرة صمت أو موافقةً ضمنية، فوراء ستار الدخان والضجيج، يستمر القتل والدمار ومحاولات التهجير المستمرة، لخلق واقعٍ ديمغرافي تتغير بموجبه خريطة المنطقة وفق التصورات التوراتية المتطرفة لليمين الحاكم في إسرائيل وللشرائح المتسعة التي يمثلها.

ولما فَرضت عليَّ الفترة السابقة بطولها وحُلكتها التمعن في الأمر ومراجعة انطباعاتي، فقد توصلت إلى أننا كنا في الحقيقة مخطئين إذ نتهم الأنظمة العربية، وعلى رأسها المصري والإماراتي، بالعجز أو الضعف أو الانهزام والتقاعس عن تقديم العون؛ لقد تجاوزت ذلك الآن مقتنعاً بسطحية ذلك الطرح أو الادعاء/ الاتهام كون الدور العربي يتجاوز ذلك بكثير. لقد ساعدت دفاعات جيوش الأنظمة العربية على إسقاط الصواريخ والمسيرات الإيرانية الموجهة إلى الكيان الصهيوني، على الرغم من كل شكوكي في هذه الأنظمة، إلا أنني لم أكن أتصور قبل ذلك أن يصل واقعها وانحطاطه إلى هذه الدرجة (هذا وصفٌ وليس سباباً)، لكن من لم تفتح تلك الواقعة الفاقعة (ضمن أدلةٍ عديدة) عينيه على طبيعتها وانحيازاتها فلن يجدي معه شيء. لقد كان ذلك التصور السابق لدورٍ منهزمٍ للأنظمة العربية، يضعها في خانةٍ سلبية، خانة المتلقي أو المراقب، فإن لم يكونوا «مفعولاً به» بصورةٍ مباشرة (كعادتهم طيلة عقود) فهم محايدون هامشيون، وفي ذلك ما فيه من كل المعاني السلبية. لكن الحقيقة أن ذلك التصور يشكل مجاملةً وتجميلاً لهذه الأنظمة، إذ أنها في حقيقة الأمر تقوم بدورٍ فاعلٍ وفعال في حرب الإبادة وإعادة رسم الخرائط. لقد بنت استراتيجيتها على رهانٍ مؤسس، أو تقديرٍ محوري: توزع الجماهير العربية بين العجز والإرهاق بالمعنى الأشمل والأعم.

دول المواجهة، بشكلٍ أخص، تعيش ليل الثورة المضادة الكالح الكئيب الطويل؛ لن أتعمق في شأن الشعب السوري، الذي أنهكه تماماً ذلك العقد من الحرب الأهلية والتهجير والتدمير والإفقار، حتى وصل إلى تلك الحالة من الدولة المفككة التي توشك أن تستأنف حربها الأهلية على مفارق الطائفية، ولا لبنان الذي يعيش أزمةً ممتدة زاد من عمقها ما لحق بحزب الله من ضرباتٍ مستنزِفَةٍ موجعة، ولا الأردن المرهق اقتصادياً، الذي يعيش في ظل تغول إسرائيل ويدرك يقيناً أنه سيرث نتيجة الحرب الدائرة. سأركز في دور مصر (ممثلاً ربما لدول الخليج التي يتفق معها في المصالح والرؤية والانحيازات في الشأن الفلسطيني).

لقد راهن النظام منذ اللحظة الأولى على درجةٍ عالية من المرونة، لا إزاء أي سخطٍ شعبي أو تمردٍ، بل إزاء الكوارث والشعور بالإهانة، كما راهن على مخزونه الاستراتيجي الأهم الذي لا ينفد من البلادة الموظفة لاستيعاب تلك الكوارث وشعبٍ رُوِضَ ورُوِعً بالعنف غير المتناسب، كما غُرس فيه يأسٌ أسود عقب هزيمة الثورة وما تلاها من تردٍ في مستوى المعيشة.

على عكس كل الطنطنة التي تروجها بعض الفضائيات، عن مقارناتٍ بين الجيش المصري وجيش الاحتلال، فإن أي نوعٍ من الصدام العسكري لم يكن مطروحاً بأي درجة في أي وقتٍ من الأوقات. أجل كان العنف موجودا وحاضراً، لكنه ذلك الذي يمارسه أو يلوح به النظام لأي حراكٍ شعبي يندد بجرائم الاحتلال. ما يقوم به النظام المصري الآن، ومعه بعض مشيخات الخليج هو «إدارة، أو الإشراف على الإبادة، ضمان استتباب الأمن وانتظام المرور، ريثما تجهز إسرائيل على حماس وتنجز مهمتها بالطريقة التي تراها، لكن التي تشمل، دون مواربةٍ أو شك، تصفية القضية الفلسطينية، والاستيلاء على الأرض كاملة تحت غطاءٍ من المباركة الضمنية في العلن، والصريحة وراء الأبواب المغلقة من قبل بعض هذه الأنظمة.

لم يخف السيسي منذ البداية أن مشكلته مع هذه المذبحة تنحصر في تمددها إليه في صورة موجاتٍ من المهاجرين لا يريدها، لما ستشكله له من تحدٍ وعبءٍ أمنيين، أما ما دون ذلك فلا يعنيه، سواءً أقتلوا أم ذبحوا طالما ظل ذلك بعيداً عن حدوده الآمنة.

هذه ليست حيادية أو ضبط نفس، هذا ضوءٌ أخضر وموقف إيجابي: إفعل ما شئت بعيداً عني وأنا سأتكفل بالسيطرة على من لدي.

المشكلة الوحيدة في هذه الترتيبة هي، طول المدة التي يستغرقها إنجاز المهمة، الأمر الذي لم يكن في الحسبان، وما أدى إليه ذلك من الإحراج، الذي ربما يتحدى قدرة هذا النظام على البلادة والاستيعاب، والأهم من ذلك أنه قد يزيد من كشف طبيعته وفضحه أمام جمهوره، بما قد يثير حفيظته ويملأه غيظاً وحقداً، يضاف إلى ذلك المتراكم من سوء إدارة ملف الاقتصاد. إذا كانت حرب غزة قد فجعتنا وأيقظت البعض على حقيقة المشروع الصهيوني، التي لم تتغير، لكننا أُنسيناها بفعل أكاذيب الأنظمة وتلميعهم لكيان الاحتلال، فإنها أيضاً فضحت، بالقدر نفسه إن لم يكن أكثر، طبيعة الأنظمة العربية ودورها الحقيقي: الإثراء والسيطرة على هذه الكتل البشرية حفاظاً على مصالح رأس المال الغربي والصهيونية المزروعة فيها والموظفة لصالحها.

القدس العربي

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى