نعيش لحظات تاريخية عصيبة وشديدة التعقيد، تجعل الحليم حيرانا كان العرب يحاصرون إسرائيل، واليوم إسرائيل تحاصر العرب. كانت إسرائيل تتوسل وتتسول أي اعتراف عربي بها، وخرج الزعماء العرب من أروقة مؤتمر قمة الخرطوم رافعين شعارات الصمود والتصدي بشعار "لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف". واليوم، كثير من الدول العربية تتسول وتتوسل أن تعترف إسرائيل بها.
كان من يقول خلال حديثه "إسرائيل" بدلًا من "الكيان الصهيوني المحتل" أو "العدو الصهيوني" يُعتبر غير وطني، واليوم الكثير من المثقفين والسياسيين والنخب العربية يتحدثون عن إسرائيل وكأنها دولة عربية، بل إن علاقات بعض الدول العربية بإسرائيل أفضل من علاقاتها مع الدول العربية. اليوم، كثيرون يحمّلون حركة حماس المسؤولية عن قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة ويقولون إن إسرائيل بريئة من دم الأطفال والنساء، فالمقاومة هي من تسببت في قتل المدنيين، وكان عليهم أن يسكتوا ويخضعوا ويساوموا. وأيهما أفضل: قتل المدنيين أم العيش بسلام وهدوء؟ والانضمام إلى صفقة القرن واستسلام القرن ومعابد القرن، ويضعوا رؤوسهم بين الرؤوس. وماذا تعني فلسطين؟ مجرد قطعة أرض ضاعت! إسرائيل لو لم تُستفز لما قتلت، والمقاومة عبثية وعملياتها حقيرة والمقاومون "أولاد كلب". والدول العربية لأنها عاقلة راشدة حكيمة لم تنزلق إلى الحرب، فالحرب ويلات وقتل، وأرنب حي خير من أسد ميت.
وبناءً على هذه المواقف لبعض العرب، وهذا البعض كثير، فإن حزب الله خائن لأنه تسبب في خراب لبنان وتدمير البنى التحتية، وإن هذا الحزب شيعي صفوي مجوسي قتل السوريين السُّنة، وكأن بعض الأنظمة العربية السنية لم تقتل في بلادها وميادينها وشوارعها وعواصمها وسجونها أكثر مما قتل حزب الله.
واستطرادًا، فإن الثورة الجزائرية هي من قتلت ستة ملايين جزائري خلال الثورة ضد فرنسا، وفرنسا بريئة. وكأن الفيتكونغ هم من قتلوا 3 ملايين فيتنامي وهم يحاربون أمريكا، وأمريكا بريئة. وكأن الحوثيين هم من تسببوا في خراب اليمن ودمارها، وليس الأمريكيين والإسرائيليين. وكأن إيران من تسببت في الدمار والقتل الذي لحق بطهران، وليس إسرائيل وأمريكا.
ما هذا الدين الذي يتبعه هؤلاء الوطنيون العرب الذين يصطفون مع العدو ضد أبناء جلدتهم؟
إلى أي قاع سقطنا؟ وما زلنا نواصل السقوط...
والويل كل الويل لمن يقول رأيه وكلمة حق في حق شرفاء الأمة، فهو صاحب أجندة عثمانية أو صفوية أو مجوسية أو أمريكية أو إخوانجية أو مقبوض عليه بالدولار أو بالريال أو بالشيكات، ومن يتهمون هم أكثر الناس قبضًا وصرفًا ولهوًا ولعبًا.
إن الله يسمع ويرى، وإن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته.