إشكالية الأنظمة العربية وغياب الشرعية

تعيش الشعوب والأنظمة العربية على حدٍ سواء حالة غير مسبوقة في التاريخ العربي الحديث والقديم، ولا يمكن مقارنة ما تمر به الأمة اليوم بأي حقبة سابقة إلا ربما في بعض التفاصيل. أما من حيث المشهد العام، فهو مشهد متفرد لا يمكن الحوار حوله بلا سقف، لأن مجرد الحوار صار جزءاً من ممنوعات السلطة العربية الحاكمة.

وتكمن إشكالية السلطة في الأنظمة العربية في أنها أولاً لا تقبل أن تدين لأحد بوجودها، فتفسير وجودها ملقى على عاتق "برامكة" كل نظام، الذين يسوقون الصورة التي يريدونها للناس. ولا يهمهم إن اقتنع الناس أم لم يقتنعوا، فمن لا يقتنع يحق له أن "ينقلع" ويذهب إلى أي مكان آخر. فمبدأ المواطنة مربوط بقبول السلطة أو رفضها، والمواطن المخلص هو الذي يهتف للنظام ويقبل كل أوامره ونواهيه بلا جدال أو نقاش. ويحتمي النظام الرسمي العربي القطري بشريحة من المرتزقة الذين يعيشون على المكارم، والشرَهات، والأعطيات، والسفرات، والسيارات، والمناصب. وهؤلاء يسخرون أنفسهم لخوض حرب لا نهاية لها ضد كل المجتمع، فيخونون هذا الطرف ويشتمون ذاك، ويوزعون صكوك الغفران أو "أجندات التخوين" حسب الحاجة والطلب.

كما تكمن إشكالية السلطة لأي نظام عربي في ضعف الشرعية وغياب التداول السلمي للسلطة، فاحتكار السلطة هو السمة الغالبة على المشهد. وهذا يقود بالضرورة إلى هيمنة السلطة الشخصية الفردية المتسلطة على حساب مؤسسات الدولة وهياكلها. ومن ثم، تستدعي السلطة المتفردة في الحكم عدم الاهتمام بتطلعات المجتمعات نحو الحرية والديمقراطية والازدهار والاستقرار الحقيقي والمواطنة الحقيقية. وعندئذ، يصبح الحاكم العربي هو رب السلطة المطلقة وصاحب القرار، وما يراه هو الصحيح حتى لو تناقضت رؤيته مع الواقع، وقادت الأمة إلى هزائم سياسية وعسكرية واقتصادية.

وإشكالية الشعب العربي في أي دولة هي أنه مستكين ومنقسم إلى أغلبية مستكينة، خائفة، ومرعوبة، تشعر بالذل والانكسار، ولا ترغب في أي شيء سوى أن تعيش وتجد لقمة الخبز لنفسها. وشريحة صغيرة هي شريحة "البرامكة" التي تقود الحكم بصورة غير مباشرة وتستفيد من يدها المطلقة في أرزاق الناس ومعاشهم. والفرق الوحيد بين "برامكة" اليوم و"برامكة" الرشيد هو أن الرشيد اكتشف نفاقهم وبطش بهم، بينما "برامكة" اليوم من النادر أن تجد أحدهم في السجن، فكلهم "محفحفين ومعطرين" ومبتسمين لأنهم يتنعمون بأموال فقراء الأمة.

أما الشريحة النادرة التي تعتبر نفسها معارضة سلمية، فهي مضطهدة ومنبوذة. ويقوم الإعلام الرسمي العربي في كل دولة بالتبلي عليها، ويقزمها، ويخونها، ويسجنها، ويحملها كل مصائب الوطن. وتصفق شريحة "البرامكة" بحجة أن الوطن لا يحتاج إلى معارضة، فرؤية القائد لا تخطئ، وحكمته لا يمسها "عَوَر"، وشجاعته لا تقارن. فهو صنيع نفسه، وقد يصل الأمر إلى تأليه الزعيم، حتى يأتي "بوعزيزي" ما، فيقف الزعيم ويقول: "الآن فهمتكم!".

إسرائيل تذبح الفلسطينيين في الضفة وغزة وتجوع الأطفال وتذبح النساء. إسرائيل وصلت إلى مشارف دمشق. إسرائيل تجتاح لبنان. إسرائيل تحرق اليمن كل يوم. إسرائيل تهدد الأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق. إسرائيل تتجول بطائراتها في الأجواء العربية بلا استئذان ولا "أحم" ولا دستور. إسرائيل سيدة الموقف.

والنظام الرسمي العربي مشغول بـ"شيعي سني"، و"بالصفوية الفارسية"، وبالتيارات الإسلامية صاحبة الأجندات التخريبية، و"بداعش". ولا يريد أن يرى المشهد الذي أمامه، وأن أمريكا وإسرائيل تبتلعان المنطقة لقمة لقمة، ليس كل بضعة أعوام مرة، بل كل يوم وكل ساعة. ونحن "مبلوشون" هل السنوار عميل للموساد أم لأمريكا، وهل زوجة إسماعيل هنية تتزلج بـ"المايوه" على مياه الهادي أم الأطلسي، وهل خالد مشعل معه خمسة مليارات أو سبعة. العرب مشغولون ببعضهم البعض وإسرائيل على الأبواب، وكل يتغنى بمقولة: "أنا غير"، أو على رأي إخواننا المصريين: "أنا حاجة تانية". والوقت يمر والغد آت، وسنرى "برامكة" العرب اليوم يفرون "كالحُمُر المستنفرة"، وليتها تفر من "قَسْوَرة"، بل أمام جحافل أعداء الأمة العربية وأقذر من في الأرض.

لا أعمم في حديثي، فالتعميم يضر بالتحليل الموضوعي. فهناك بعض الأنظمة العربية التي ما زال عندها بعض الشرعية وبعض الأخلاق بكل تأكيد.
ليس بيدنا شيء سوى محاولة التنبيه، عسى أمتنا أن تنتبه لما يحصل وأن نركز على العدو الحقيقي. أما "سحيجة" العالم العربي فهم مساكين وأقل من أن يكون لهم مكان في المشهد، ويكفي أن العالم أطلق عليهم اسم "الذباب الإلكتروني".

هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

اقرأ أيضًا

زر الذهاب إلى الأعلى