“شركات التطبيع”.. “حجازي وغوشة” يقطعون الرواتب عن موظفي “سامح مول” منذ أشهر

تتواصل معاناة أكثر من ألفي موظف وموظفة في شركة “سامح مول” منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر متتالية، في ظل توقف صرف رواتبهم الشهرية بشكل كامل، ما أدخلهم وعائلاتهم في دوامة من الضيق المعيشي والأزمات النفسية والاجتماعية غير المسبوقة.
هذه الأزمة، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، لم تعد مجرد خلاف عمالي أو تأخير إداري، بل تحولت إلى كارثة إنسانية حقيقية تمس كرامة العامل وحقه الأساسي في العيش بكرامة.
وبحسب شهادات عدد من الموظفين المتضررين، فإن إدارة الشركة تجاهلت بشكل كامل مطالبهم المتكررة، رغم تقديم عشرات الشكاوى الرسمية إلى وزارة العمل ومؤسسة الضمان الاجتماعي، دون أن يُسفر ذلك عن أي تحرك جدي أو إجراءات رادعة حتى اللحظة.
وشجع هذا الصمت الرسمي، بحسب الموظفين، الإدارة على التمادي في سياساتها، وترك العاملين يواجهون مصيراً مجهولاً.
و أفاد موظفون أن الآثار المترتبة على هذا الانقطاع القسري لرواتبهم كانت مدمرة، إذ ذكروا بأن عدداً من العائلات تعرضت للطرد من منازلها بسبب العجز عن دفع الإيجارات، فيما تراكمت عليهم فواتير الكهرباء والمياه، ووصل بعضهم إلى مرحلة عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء.
ويؤكد متضررون أن أطفالاً حُرموا من مواصلة تعليمهم، وآخرين حُرموا من العلاج، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها العاملون بصمت.
أما الموظفون الذين اضطروا للاستقالة تحت ضغط الظروف القاسية، فقد فوجئوا برفض الشركة تسليمهم أي تعويضات أو مستحقات قانونية، في مخالفة صريحة لقانون العمل، ما فاقم من شعورهم بالظلم والإجحاف.
وتزداد خطورة القضية مع الكشف عن هوية المالكين الرئيسيين لـ”سامح مول” إذ تعود ملكية 51% من أسهم الشركة إلى مجموعة حجازي وغوشة، بعد صفقة شراكة استراتيجية أُبرمت عام 2016، أصبح بموجبها رجل الأعمال عصام حجازي رئيساً لمجلس إدارة “سامح مول”.
وتزامناً مع أزمة الموظفين، أعادت تقارير صحفية ووثائق قانونية مسربة تسليط الضوء على علاقات اقتصادية واستثمارية مثيرة للجدل تربط شركة غوشة الأردنية إحدى كبرى شركات اللحوم في المنطقة بمؤسسات إسرائيلية، وعلى رأسها كيبوتس إيلوت في منطقة إيلات المحتلة، في الوقت الذي تحظر فيه العديد من الدول الأوروبية التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية ومنتجاتها، التزامًا بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الاستيطان غير شرعي.
ويرى مراقبون أن استمرار مثل هذه التعاقدات يشكل خرقًا أخلاقيًا وسياسيًا، خاصة في ظل تصاعد حملات المقاطعة العالمية، وتشديد الإجراءات الأوروبية على وسم أو منع منتجات المستوطنات، بهدف عدم شرعنة الاحتلال أو الاستفادة من عوائده الاقتصادية.
وتُثير هذه المعطيات موجة غضب وتساؤلات حول مسؤولية الشركات العربية ودورها في الالتزام بالمواقف الشعبية والرسمية الرافضة للتطبيع الاقتصادي مع المستوطنات، في وقت يُنظر فيه إلى هذه التعاملات على أنها تمويل غير مباشر لمنظومة الاستيطان واستمرار الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
وبحسب التقارير، لم تقتصر العلاقة على عمليات تجارية عابرة، بل شملت استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، وشراكات استراتيجية امتدت لأكثر من 25 عاماً، يتم خلالها توريد ما نسبته 70% إلى 90% من اللحوم الحية إلى الكيبوتسات الإسرائيلية، في وقت تُقدّر فيه مبيعات شركة حجازي وغوشة داخل إسرائيل بنحو 100 مليون دولار.
يذكر أن محكمة إسرائيلية أصدرت حكماً يُلزم شركة “حجازي وغوشة” بدفع 300 ألف دولار لصالح كيبوتس إسرائيلي في إيلات، على خلفية امتناع الفرع الإسرائيلي للشركة عن دفع مستحقات مالية مترتبة ضمن عقد استثمار أراضٍ زراعية بمساحة 10 دونمات.
كما تشير الوثائق إلى أن الشركة استثمرت ما يقارب 10 ملايين دولار في البنية التحتية لأراضي كيبوتس ايلوت، بهدف رعاية المواشي الحية التي يتم تفريغها في إيلات، ما يضع الشركة وفق مراقبين في موقع الممول غير المباشر لمنظومة اقتصادية مرتبطة بالاحتلال.
ويرى ناشطون أن المفارقة الصادمة تكمن في أن شركة تُتهم بضخ ملايين الدولارات في استثمارات خارجية مثيرة للجدل، تعجز أو ترفض في الوقت نفسه دفع رواتب موظفيها داخل البلاد. واعتبروا أن ما يحدث في “سامح مول” يمثل فضيحة أخلاقية واقتصادية، ويطرح أسئلة جوهرية حول أولويات الإدارة، ودور الجهات الرقابية، ومسؤولية الدولة في حماية عمالها.






