تكلفة “استاد الحسين الدولي” تثير جدلا واسعا في الأردن وسط أزمة اقتصادية خانقة

قدّرت الحكومة تكلفة إنشاء استاد الحسين الدولي المزمع إقامته في مدينة عمرة بنحو مئتي مليون دينار، وفق ما كشفته مصادر رسمية مطلعة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفتح باب التساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومي في المرحلة الحالية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المشروع يأتي ضمن خطة حكومية لتطوير البنية التحتية الرياضية واستضافة الفعاليات الإقليمية والدولية، حيث من المتوقع أن يكون الاستاد من الطراز العمراني الحديث كما في الملاعب العالمية، مزوداً بمرافق رياضية وخدمية متكاملة، بما في ذلك مدرجات تتسع لعشرات الآلاف، ومرافق تدريب، ومناطق تجارية.
غير أن الإعلان عن الكلفة التقديرية للمشروع قوبل بانتقادات حادة من قبل ناشطين ومهتمين بالشأن العام، وصفوا ما يجري بـ”التناقض الصريح” في السياسات الحكومية، مشيرين إلى أن الحكومة تتذرع في الوقت ذاته بعجز الموازنة العامة لتبرير رفضها رفع رواتب الموظفين أو تحسين أوضاعهم المعيشية، إضافة إلى تنفيذ سياسات تقشف وتقليص للإنفاق في قطاعات حيوية واسعة.
وقال ناشطون إن الحكومة، التي تؤكد باستمرار صعوبة الأوضاع المالية وضرورة شد الأحزمة، لا يمكنها في المقابل التخطيط لمشروع رياضي ضخم بتكلفة تصل إلى مئتي مليون دينار، معتبرين أن هذا التوجه يفتقر إلى الانسجام مع الخطاب الرسمي حول الأزمة المالية.
وأضافوا أن الأولوية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يجب أن تُمنح لتحسين مستوى الخدمات الأساسية، ورفع الرواتب، ودعم القطاعات الصحية والتعليمية، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، بدلاً من توجيه مبالغ ضخمة إلى مشاريع يرون أنها ليست ملحّة في الوقت الحالي.
وتساءل الناشطون عن مصادر تمويل المشروع، وما إذا كانت ستُغطى من الخزينة العامة أو من خلال قروض جديدة، محذرين من أن ذلك قد يفاقم من حجم الدين العام ويزيد الضغوط على الاقتصاد الوطني أكثر مما عليه الان.
كما دعوا إلى الشفافية الكاملة في الإعلان عن تفاصيل المشروع، وجدواه الاقتصادية، والعوائد المتوقعة منه على المدى المتوسط والبعيد.
ويترقب الشارع خلال الأيام المقبلة توضيحاً رسمياً من الحكومة حول حيثيات المشروع، ومصادر تمويله، وأسباب اختياره في هذا التوقيت بالذات، في ظل استمرار النقاش العام حول أولويات الإنفاق وسياسات التقشف المعلنة.
وقال خبراء واقتصاديون إن الأردن يمر منذ عدة سنوات بأزمة اقتصادية خانقة تُعد من الأصعب في تاريخه الحديث، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين، وأثقل كاهل الأسر الأردنية نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية والبضائع والخدمات.
وأوضح الخبراء أن معدلات التضخم المتزايدة، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، أدت إلى تراجع ملحوظ في مستوى الرفاه الاقتصادي، خاصة لدى ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة.
وأكد مراقبون للشأن الاقتصادي أن تفاقم هذه الأزمة وضع الحكومة الأردنية أمام تحديات كبيرة، دفعتها إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية في محاولة للحد من العجز المالي والسيطرة على المديونية العامة.
من بين هذه الإجراءات تقليل حجم الإنفاق الحكومي، وإلغاء أو تجميد عشرات المشاريع التنموية والخدمية التي كانت تهدف إلى تحفيز الاقتصاد وتوفير فرص عمل جديدة، إضافة إلى رفع بعض الضرائب والرسوم، وهو ما زاد من الأعباء المالية المفروضة على المواطنين والقطاع الخاص.
وأشار مختصون إلى أن هذه السياسات، رغم ضرورتها من وجهة نظر مالية، إلا أنها تركت آثاراً سلبية على الحركة الاقتصادية والاستثمارية، حيث شهدت الأسواق حالة من الركود، وتراجعت القدرة على خلق فرص عمل جديدة، ما ساهم في اتساع دائرة البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب والخريجين الجدد.
و ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية مقارنة بالأعوام السابقة، الأمر الذي أثار قلقاً واسعاً في الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء.
ويؤكد الخبراء أن استمرار هذه النسب المرتفعة من البطالة يشكل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً خطيراً، لما له من تأثيرات على الاستقرار الاجتماعي ومستقبل التنمية في البلاد.
ودعا اقتصاديون الحكومة إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر توازناً، تركز على دعم القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على توليد فرص عمل مستدامة، بالتوازي مع توفير شبكات أمان اجتماعي تخفف من حدة الأزمة على المواطنين، إلى حين تعافي الاقتصاد الوطني وتحقيق نمو أكثر استقراراً في المرحلة المقبلة.
وكان رئيس الوزراء جعفر حسان قد أعلن في نهاية تشرين الثاني الماضي عن إنشاء مدينة عمرة، التي تقع على بُعد نحو 40 كيلومتراً شرق عمّان و35 كيلومتراً عن الزرقاء، حيث ستُقام في مرحلتها الأولى على مساحة 40 ألف دونم من أصل نحو نصف مليون دونم مخصصة للمشروع الكامل.
ومن المقرر أن تمتد أعمال المرحلة الأولى حتى عام 2029، على أن يُنجز جزء من مكوناتها خلال العامين الأولين، بما يشكّل قاعدة لانطلاق المراحل اللاحقة من المشروع.






