كيف تحولت مخالفات السير إلى طوق خناق وجعلت الترخيص مأزقا للمواطنين؟

لم يعد ترخيص المركبة إجراء روتينيا سنويا في حياة الأردنيين، بل بات أزمة مالية وقانونية خانقة، تدفع آلاف المواطنين إلى العجز الكامل عن تجديد تراخيص سياراتهم، في ظل تراكم مخالفات مرورية وصلت لدى بعض الحالات إلى نحو ألف دينار، وفق شكاوى متداولة على نطاق واسع.
في الشارع، تتكرر القصة ذاتها: مواطن تتراكم عليه المخالفات، يعجز عن الدفع، تتوقف معاملته عند الترخيص، تحجز مركبته أو تمنع من التجديد، ثم يدخل في دوامة قانونية لا تنتهي، بعض المواطنين، كما يشير نواب تحت القبة، اضطروا إلى بيع مركباتهم لتسديد الغرامات، ليكتشفوا في النهاية أنهم خرجوا بلا سيارة وبديون إضافية، في مفارقة تلخص حجم الاختلال في آلية التعامل مع الملف.
النواب بدورهم أعادوا فتح الملف تحت القبة، النائب وليد المصري طالب الحكومة بالاهتمام الجاد بموضوع مخالفات السير، وتحديدًا ما يتعلق بحجز المركبات، محذرًا من أن الإجراءات الحالية لا تراعي الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون، ولا تحقق الردع بقدر ما تعمّق الأزمة.
أما النائب محمد جميل الظهراوي، فذهب أبعد من ذلك، مطالبًا الحكومة بإيجاد حلول لمعالجة ظاهرة السيارات غير المرخصة، والتي قدّر عددها بنحو 300 ألف مركبة تجوب شوارع المملكة، رقم يعكس حجم المأزق، ويطرح تساؤلات جدية: هل نحن أمام مشكلة التزام بالقانون، أم قانون بات خارج قدرة الناس على الالتزام به؟
View this post on Instagram
الظهراوي أشار خلال جلسة تشريعية إلى أن الشارع بات منشغلًا بالكامل بملف المخالفات وترخيص المركبات، في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط معيشية غير مسبوقة، ودعا الحكومة إلى اتخاذ قرارات تخفف الأعباء وتعيد الثقة، بدل الاكتفاء بتطبيق صارم لنصوص قانونية دون النظر إلى نتائجها الاجتماعية والاقتصادية.
اللافت أن الهدف المعلن لقانون السير هو تعزيز السلامة العامة، لكن الواقع يشير إلى أن تراكم المخالفات وتحويلها إلى شرط تعجيزي للترخيص، أسهم في توسّع ظاهرة المركبات غير المرخصة، ما يخلق خطرًا مضاعفًا على الطرق، ويضعف من قدرة الدولة نفسها على الضبط والرقابة.
اليوم، يقف المواطن بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الالتزام بالقانون ودخول دائرة الديون، أو مخالفة القانون والسير بمركبة غير مرخصة تحت طائلة الحجز والعقوبات. وبين هذا وذاك، يغيب السؤال الأهم: أين الحلول التشريعية والتنفيذية التي توازن بين هيبة القانون وقدرة الناس على الامتثال له؟
ملف ترخيص المركبات لم يعد تفصيلًا إداريًا، بل اختبارًا حقيقيًا لعدالة السياسات العامة، وقدرة الدولة على قراءة الواقع الاقتصادي للمواطنين. فهل تبقى المخالفات أداة جباية وعقاب، أم تتحول إلى مدخل لإصلاح مروري وإنساني شامل؟






