اقتراض في بداية العام المالي.. إنذار مبكر لمسار المديونية الأردنية

أثار إعلان الحكومة الأردنية عن طلبها قرض جديد من البنك الدولي بقيمة 400 مليون دولار موجة واسعة من الجدل في الأوساط الشعبية والاقتصادية، وسط تحذيرات من تفاقم المديونية وفرض شروط قاسية على الأردن.
ومما زاد من حالة الجدل أنه جاء بعد يومين من أعلان وزارة الطاقة في سوريا عن بدء استلام الغاز الطبيعي من الأردن لتوليد الكهرباء، مقابل 800 مليون دولار سنوياً. والذي حسب الاتفاق ستحصل دمشق على كمية تبلغ 4 ملايين متر مكعب يومياً في إطار اتفاقية شراء الغاز مع الأردن، كما أعلنت وزارة الطاقة السورية.
وأثار هذا التزامن موجة من الجدل في الأوساط الشعبية، إذ عبّر ناشطون عن استغرابهم من لجوء الحكومة إلى الاقتراض الخارجي في الوقت الذي أعلنت فيه عن صفقة بيع غاز بمئات الملايين من الدولارات، متسائلين عن أسباب هذا القرض وأهدافه، في ظل ما يترتب عليه من أعباء مالية إضافية تشمل فوائد وضرائب تثقل كاهل الدولة والمواطنين.
من جهته أعلن البنك الدولي أنه بدأ تقديم قرض للأردن بقيمة 400 مليون دولار ضمن برنامج “النمو والتنافسية في الأردن” وأكد البنك أن هذا القرض يهدف إلى تحسين بيئة الأعمال وتعميق الوصول إلى التمويل بما يدعم النمو الاقتصادي الذي يقوده القطاع الخاص.
وأكد خبراء اقتصاديون أن القرض الأخير يُعد أول عملية اقتراض في السنة المالية الجديدة، محذرين من استمرار الارتفاع المتسارع في حجم المديونية العامة، التي تزيد بنحو 3 مليارات دينار سنويًا.
وأوضح الخبراء أن الجزء الأكبر من هذه الارتفاع يعود إلى القروض من البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على التمويل الخارجي لتغطية العجز وتمويل النفقات، بدل التوجه نحو حلول إنتاجية مستدامة.
وأشاروا إلى أن هذا النهج يثير تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد على تحمّل المزيد من الديون، خاصة في ظل تباطؤ النمو وغياب مشاريع إنتاجية كبرى قادرة على توليد إيرادات حقيقية وفرص عمل.
ودعا الخبراء إلى ضرورة مراجعة سياسة الاقتراض، وربط أي قروض جديدة بخطط واضحة ومعلنة تُسهم في تحفيز النمو، وتقليل العجز، والحد من العبء المتزايد على المالية العامة والمواطنين.
وقال ناشطون وخبراء اقتصاديون أن استمرار الاعتماد على القروض الخارجية يفاقم الأزمة بدل معالجتها، متسائلين عن جدوى توجيه هذه الأموال، وما إذا كانت ستُستثمر في مشاريع إنتاجية حقيقية تخلق فرص عمل وتُنعش الاقتصاد، أم ستُستخدم لسد عجز الموازنة، ما يعني مزيدًا من الاستدانة وربط القرار الاقتصادي بشروط خارجية.
الخبراء حذروا من تكرار السيناريو ذاته، حيث يرون أن الأردن يعيش منذ سنوات طويلة في حلقة مفرغة من الاقتراض، “من دين إلى دين”، دون تحقيق قفزة إنتاجية حقيقية، مشيرين إلى أن شروط المؤسسات المالية الدولية غالبًا ما تنعكس ضغوطًا إضافية على المواطنين عبر رفع الضرائب والأسعار وتقليص الدعم.
وأكدوا أن الدين العام الأردني بلغ مستويات مقلقة، بلغت نحو 50 مليار دينار، محذرين من أن استمرار ارتفاعه سيقيد القرار الاقتصادي والسياسي للدولة، ويؤثر في قدرة الحكومة على تمويل الخدمات وتحفيز النمو الاقتصادي.
وقال خبراء اقتصاد إن الدين العام المعلن من قبل وزارة المالية حتى نهاية العام الماضي بلغ نحو 49 مليار دينار، غير أن هناك مديونية إضافية تقدر بحوالي 2.5 مليار دينار تمثل مستحقات الحكومة لصالح القطاع الخاص الأردني، لتصل القيمة الإجمالية إلى أكثر من 50 مليار دينار.
وأشاروا إلى أن كلفة خدمة الدين في موازنة عام 2025 قد بلغت نحو 2.2 مليار دينار، أي ما يقارب ربع الإيرادات العامة، وهو ما يعني خروج هذه الأموال من الدورة الاقتصادية المحلية باتجاه الدائنين في الخارج.
وأوضحوا بأن الدين العام لا يقتصر أثره على الأرقام المالية فقط، بل يمتد إلى تقييد القرار الاقتصادي والسياسي للدولة بصورة عامة. وأضافوا أن ديون الأردن للمؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي تجعل هذه الجهات تتدخل في صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، مما يحد من قدرة الأردن على اتخاذ قرارات مستقلة تلائم مصالحه الوطنية.
ويطرح الخبراء الاقتصاديون تساؤلات مشروعة حول الوضع المالي بشكل عام ومدى قدرة الأردن على الإيفاء بالتزاماته المالية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.
ويرى مراقبون وخبراء أن السبب المباشر لأرتفاع الدين لا يعود إلى تدهور هيكلي في الإدارة المالية، بل إلى ظروف مالية استثنائية، فالحكومات المتعاقبة لجأت إلى الاقتراض بهدف تغطية عجز الموازنة، وتخفيض أعباء الفائدة عبر استبدال ديون مكلفة بأخرى أقل تكلفة.






